شبكة متعاطي مخدر الهروين البحث عن النقود...الدائرة المفرغة

تشكل ظاهرة تعاطي المخدرات والمتعاطين من الموضوعات الآنية التي تستحق بحق التمحيص والدراسة، خصوصا لما لها من ارتباط علائقي، إن على المستوى الاقتصادي، الاجتماعي أو الصحي.

الظاهرة توسعت كبقعة زيت،وشملت مختلف الفئات الاجتماعية ،فأصبح من الصعب على شريحة ما،أو فئة أن تدعي الاستعفاف وتقول ما عهدنا بهدا.

وتجدر الإشارة أن ملامستنا لهدا الموضوع ستنصب بشكل أساسي على مخدر الهروين وعلى فئة أو شبكة متعاطين، ودلك راجع لاعتبارات عدة:

أولا:أن هده المادة تسبب وبشكل سريع إدمان حاد، فتجعل المتعاطي غير قادر على مواصلة حياته بشكل عادي، وانتفاء عنصر الزمن لدى المتعاطي أو المستعمل لهده المادة.

ثانيا:تجعل المتعاطي لهده المادة يدور في حلقة مفرغة، البحث عن النقود، شراء الجرعة، النشوة، الخوف من الانسحاب، البحث عن النقود ،وعليه إدا كان المتعاطي لمخدر الهروين يقوم بوظيفة ما فإن استهلاكه يكون سببا في توقفه من العمل

ثالثا:تجعل المتعاطي لهده المادة يفقد المهارات الحياتية وبالتالي فهي سبب رئيسي في الفقر

رابعا :إن هده المادة بالإضافة إلى تدخينها وشمها فهي تحقن،فيسبب استعمالها بهده الطريقة انتقال أمراض فيروسية خطيرة مثل داء فقدان المناعة المكتسبة السيدا،والالتهاب الكبدي الوبائي نوع ب وس.

خامسا:شبكة متعاطي الهروين منفتحة على غيرها من الفئات الاجتماعية، ودلك من خلال مجموعة من المستويات:

أ المهن :نستعمل نستعمل مصطلح المهنة تجاوزا،لكن المعنى الحقيقي هو السخرة،-وسنوضح لمادا السخرة وليس المهنة فيما سيأتي-فغالبا ماينشط المتعاطون وخصوصا في منطقة الشمال ببيع الأسماك إلى جانب أنشطة أخرى مثل بيع الخضر،بيع المتلاشيات أو يشتغلون كحراس للسيارات ودلك من أجل توفير النقود لشراء الجرعة. 

ب الاستهلاك:غالبا ما يحقن متعاطي مخدر الهروين في أماكن مهجورة، منازل آيلة للسقوط، داخل مراحيض، البيت أو في منزل أحد الأصدقاء، ونادرا ما يتم الحقن عند الموزع.وفي ستوى أخر فإن هناك من المتعاطين من يحقن أمام أبواب المنازل أو في الحدائق العامة وفي كثير من الأحيان ما يتم التخلص من الحقن في أماكن أهلة بالسكان،أو يتم تركها أمام المنازل،أو في الحدائق العامة،فتشكل بدلك خطرا على جميع الأشخاص.

هكذا أصبح نخدر الهروين بمدن الشمال يتجول في جميع الأحياء والأزقة ،وبات المتعاطي باعتباره إنسانا يحتاج إلى المساعدة والمصاحبة أكثر من أي وقت مضى فهو معرض للإمراض والفقر.

من خلال ماتقدم تأتي مشروعية الأسئلة التالية:

كيف تتمظر سلوكيات متعاطي المخدرات؟وكيف يعيشون حالة النشوة والانسحاب، وكيف يعيشون الإقصاء الاجتماعي كمعانات يومية يصاحبها التميز والوصمة ؟كيف يجد متعاطي المخدرات النقود لشراء الجرعة ؟هل يمكن أن نسمي الأنشطة التي يقوم بها متعاطي المخدرات مهنة أم أن الأمر لا يعدو أن يكون عملا من أعمال السخرة ؟

توفير النقود أو الأنشطة الممكنة

عندما نطرح السؤال على أي متعاطي لمخدر الهروين:كيف تحصل على النقود لشراء الجرعة؟ يجيب دون تردد:جنونها أحضروها.إن هده الجملة تلخص مختلف الأنشطة التي يمكن أن يقوم بها متعاطي مخدر الهروين من أجل الحصول على الجرعة،فبدأ من بيع الممتلكات إلى السرقة والاحتيال مرورا ببيع الخضر والسمك والمتلاشيات يقول أحد المتعاطين بصوت أجش أقرب إلى البكاء: إلى جاني المونوإكونو عندي لفلوس عييت مانشوف اشنو كليت،شفت ماكليت والو.إلى كميت كنحاف نأ كل،كنحاول على لفلوس.تبقى إدن قوة استحضار الجرعة أكبر من أي قوة أخرى،مهما كانت حاجياته الفسيولوجية تفرض داتها.لهدا تخد متعاطي المخدرات ومن أجل توفير الجرعة يقوم ببيع الأسماك مثلا وفي نشاطه هدا فقط يوفر ثمن الجرعة ،وغالبا لايستمر المتعاطي للهروين في نشاطه الاقتصادي ،لأنه غالبا مايسطو على رأس المال والأرباح فيجد نفسه مدين للتاجر الأكبر بقروض يستحيل عليه ردها ويؤدي به غالبا هدا الامرإلى مغادرة الحي والاختفاء عن الأنظار.يقول احد المتعاطين:تشكل تجارة السمك بالنسبة لي،مصدر أساسي لتحصيل بعض النقود لشراء الجرعة وقبل أن أبدأ في البيع فإنني أضطر إلى اقتراض مئة إلى مئتين درهم كل صباح لشراء جرعتي من الهرويين ،وفي المساء أرد النقود لمشغلي صاحب السمك حتى اضمن الاستمرار في بيع السمك.هكذا أجد نفسي في أخر اليوم دون نقود .وفي كثير من الأحيان أكون مدين بنقود لصاحب السمك. فأضطر للاستمرار في الاشتغال فقط من أجل توفير ُمن الجرعة.

هكذا يضهرأن هدا العمل لا يمكن أن نسميه نشاط تجاري الغرض منه الربح،بل لا يعدو أن يكون غير عمل من أعمال السخرة.

وهناك فئة أخرى من المتعاطين،يكون نشاطها الاقتصادي أكثر مجازفة ،فتقوم ببيع الحشيش والاقرص،وفي كثير من الأحيان يتحولون إلى تجار صغار لمخدر الهروين وهم بهدا النشاط لايسعون إلى الاغتناء بقدر مايرغبون في توفير جرعة من الهروين دون مقابل،فهم يعيدون البيع بالتقسيط ويعرفون في هدا النشاط تحولا على المستوى الاجتماعي داخل شبكة متعاطي المخدرات.

فالمتعاطي /التاجر الصغير بالتقسيط يعرف تغير على مستوى المادة التي يستهلكها يوميا،أي أنه إدا كان يستهلك الهرويين بشكل أساسي،فإنه إلى جانبه يستهلك الكوكايين ولكراك.وإدا كان اغلب المتعاطين لمادة الهرويين لا يولون أهمية للجنس، أو المرأة كركن عاطفي أساسي إلى جانب الرجل،فإن المتعاطي التاجر يشد على القاعدة،وغالبا ما نجد إلى جابه صديقة تدخن معه لكراك أو تشم الكوكايين،وتضيف المرأة من داخل شبكة متعاطي الهروين وضعا اعتباريا لمتعاطي/ التاجر.غير أن هده المرتبة التي يحتلها المتعاطي التاجر داخل شبكة المتعاطين لا تدوم طويلا فسرعان ما تزيد درجة إدمان المتعاطي /التاجرللهرويين ،فيستولي على الأرباح،فتسوء علاقته مع التاجر الأكبر منه داخل شبكة المتعاطين،فيفقد بدلك مكانته فيصبح مثله مثل باقي المتعاطين ،يستجدي الجرعة من متعاطي /تاجر أخر حيث هناك دائما تحول ودوران داخل شبكة متعاطي المخدرات.ولكي يستمر في توفير جرعته فيلزمه القيام بأنشطة قد تختلف حسب درجة قوته الجسمانية ،السوابق العدلية ،قدرته على النصب ،فمتعاطي الهروين غالبا لا يخشى من الشرطة ولكنه يخشى من حالات الانسحاب خلال الفترات الأولى للا عتقال لهدا نجد فئة مهمة منهم وبعد فقدانهم لوظائفهم الأصلية أو العودة الإجبارية من بلاد المهجر غالبا مايعملون كحراس سيارات،بائعي المتلاشيات بعد فرزها من الازبال.يمكن الاستنتاج أن المخدرات ترتبط بالبطالة ولا ترتبط بالفقر من ناحية السبب وترتبط من ناحية الفقر والبطالة من ناحية النتيجة.

إن الغاية من التركيز على أنشطة المتعاطين الاقتصادية من أجل توفير الجرعة هو فهم حركتهم داخل شبكة متعاطي المخدرات وبالتالي فهم بعض مظاهر سلوكياتهم لان الغاية هي فهم متعاطي المخدرات قبل علاجهم فالحوار معهم من أجل العلاج يكون غير مجدي إدا لم يتم فهمهم من خلال واقعهم الاجتماعي.هدا من جهة ومن جهة ثانية فهم آليات تمكين متعاطي المخدرات بعد العلاج من أجل تنمية قدراتهم والتقليص من الفقر والتعرض لمسببات الأخرى للبطالة داخل المجتمع. 

والطالب الحسن

باحث في التنمية المحلية 

متدخل ميداني في برنامج التقليص من المخاطر /المغرب