المخدرات بين الوقاية والعلاج

لا يختلف اثنان على خطورة المخدرات على المجتمع صحياً واجتماعيا واقتصاديا وحتى ثقافياً، لكن أكثر الخلافات حدَّة ينشأ عند الحديث عن المقاربات العلاجية والوقائية لهذه المشكلة وبخاصة بين المدرسة التقليدية التي تركز على خفض العرض والطلب والمدارس الحديثة التي تهتم بالحد من الأضرار والوقاية الفعالة.

 

يتعرض الكثير من الناس إلى إغراءات مختلفة لاستخدام مخدر ما فينصاع بعضهم للإغراء فوراً، ويقاوم البعض الآخر لفترة ما، بينما يرفض آخرون رفضا قاطعا. وتنشأ تلك الفروقات الفردية عن أسباب عديدة منها البيولوجي الوراثي، ومنها التربوي المكتسب. وقد ركز الغرب على هذا الجانب لأن الامتناع عن استهلاك المخدرات يكون أكثر قوة إذا ما انبثق من تماسك داخلي، ومن فهم عميق للخطر، ومن اقتدار ذاتي على الاختيار .

 

الأطفال في المدارس ليسوا بحاجة في المقام الأول إلى محاضرات جافة تتحدث عن أنواع المخدرات وأضرارها، وإنما يحتاجون إلى برامج شاملة للإرشاد الشخصي وبناء الشخصية تحترم خبراتهم غير المرئية، وتتعامل معهم بشكل أفقي متساوٍ وليس من أعلى إلى أسفل. من خلال هذه البرامج يمكن أن نضع أيدينا على مواقع الهشاشة لدى العديد منهم ونعالجها بلطف وإنسانية، لكي نرفع مناعتهم الداخلية ونقيهم شرَّ يوم يقفون فيه على أبوابنا مخيرين بين العلاج والحبس، كما نقي المجتمع من دفع كلفة باهظة ناتجة عن علاجهم أو تعطل طاقاتهم عن الإنتاج. فالإنسان كائن منتج إذا لم نساعده على إنتاج الفائدة اتجه غالباً إلى إنتاج الضرر لنفسه وللآخرين.

وإذا ما قسنا العقاقير الممنوعة على المسموح منها كالتدخين والكحول، فليتذكر الكثيرون منا كيف وقعوا في حبائل التدخين وقضوا أعواما طويلة وهم يحاولون التخلص من هذه الآفة ومن عوارضها الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ماذا سيحدث لو وجد الواحد منا مرشداً شخصياً أو أخصائيا نفسيا قبل أن يبدأ استهلاك السجائر يتبادل معه الخبرات ويحترم مشاعره وتجاربه ويحصِّن شخصيته ضدَّ لحظات الضعف دون زجر أو تعامل فوقي.

أعرف أن الكثيرين هنا سيرفضون المقارنة بالتدخين، لكن العديد من الجهات المختصة عالمياً يصنفون السجائر على أنها واحدة من العقاقير المؤثرة على النفس، فضلا عن أنها واحدة من أكثر المواد إضرارا بالمجتمع صحيا واقتصاديا واجتماعيا.

إنني في الوقت الذي أؤكد فيه على أهمية الاستراتيجيات المتبعة حاليا بما فيها خفض العرض والطلب وخفض المخاطر، لأؤكد أيضا على ضرورة تنفيذ برامج للوقاية الفعالة التي تتعامل مع الأطفال، والتي من شأنها بناء تماسكهم الداخلي ومناعتهم ضد المخاطر العديدة التي تتهددهم وتتهدَّد مستقبل بلادنا وعلى رأسها المخدرات والتطرُّف والجريمة والأمراض المنقولة بالدم مثل الإيدز والالتهاب الكبدي B و C .

 

 

علي طه النوباني

رئيس جمعية أصدقاء التنمية والاستثمار

 

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER